حساين محمد
لم يكن خروج فاطمة الزهراء المنصوري إلى أضواء القرار السياسي في المغرب وليد صدفة أو ثمرة ترتيبات عابرة؛ فالمرأة التي نشأت بين وثائق المحاماة وهيبة الإدارة الترابية، اختزلت في مسارها تحولات جيل جديد من القيادات السياسية التي جمعت بين النفوذ المحلي والشرعية الانتخابية، وصولاً إلى قيادة أكبر الأحزاب الممثلة للتيار الحداثي في البلاد.
سليلة القضاء والسياسة.

تنحدر المنصوري (من مواليد مراكش، يناير 1976) من بيئة طبعت وجدانها السياسي مبكراً. فهي كريمة عبد الرحمن المنصوري، النقيب السابق للمحامين بمراكش، وباشا المدينة الفاعلية في عقود سابقة، وسفير المملكة الأسبق لدى الإمارات.
تلقّت تعليمها الثانوي في مدارس البعثة الفرنسية بالمدينة الحمراء، قبل أن تطرق أبواب الحقوق بين الجامعات المغربية وكلية القانون بـ”مونبلييه” الفرنسية، لتتوج هذا التكوين بنيل أهليتها لممارسة المحاماة، والتخصص في الأعمال والعقار والنوازل التجارية.

من المرافعة إلى السياسة
في أروقة المحاكم، صقلت المنصوري قدرتها على المرافعة والإقناع، لكن شغفها المدني سرعان ما جذبها إلى قضايا النسيج الجمعوي، لا سيما المدافع منه عن حقوق المرأة والتنمية التشاركية. هذا الامتداد الحقوقي شكل جسر عبورها نحو مشهد سياسي كان يتشكل على وقع ديناميات جديدة مع نهاية العقد الأول من الألفية.
التحقت بالحركة من أجل كل الديمقراطيين، ومنها إلى حزب الأصالة والمعاصرة منذ بواكير تأسيسه. ولم يتأخر بروزها؛ إذ دخلت البرلمان نائبة عن دائرة “المدينة – سيدي يوسف بن علي” بمراكش، وهي الدائرة الانتخابية المعقدة التي حافظت فيها على مقعدها لعدة دورات متتالية.

تجربة التدبير الترابي: مدرسة “العمدة”
ارتبط اسم المنصوري بمدينة مراكش ارتباطاً وثيقاً. في عام 2009، دخلت التاريخ السياسي المحلي بصفتها ثان امرأة تترأس عمودية عاصمة كبرى في المغرب. تجربة العمودية لم تكن نزهة سياسية؛ بل كانت مواجهة مباشرة مع تعقيدات التدبير اليومي، ومشاكل التهيئة العمرانية، وضغوط قطاع السياحة.
عادت إلى المنصب ذاته عقب انتخابات 2021 بشرعية جماهيرية واسعة. وفي غضون ذلك، ترسخت مكانتها داخل حزبها؛ فلعبت دور التوازنات الصعبة كرئيسة للمجلس الوطني للحزب، قبل أن تتوج هذه الدينامية في مؤتمر فبراير 2024 بانتخابها منسقة وطنية للقيادة الجماعية لأمانة الحزب.
الاختبار الحكومي وأوراق الإعمار

تتويج المسار السياسي والترابي تترجم في أكتوبر 2021 بتقلدها حقيبة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وفي هذا الموقع، وجدت المنصوري نفسها أمام ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، بدءاً من هيكلة قطاع السكن وتحديث وثائق التعمير، وصولاً إلى إطلاق برنامج الدعم المباشر للسكن، وتدبير ورش إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز.
تُعرف المنصوري بين أقرانها بالصرامة التنفيذية والقدرة على إدارة المفاوضات المعقدة بهدوء، مستندة إلى شبكة علاقات متينة ورصيد ميداني تراكم بين المجالس المنتخبة والقطاعات الوزارية.

فاطمة الزهراء المنصوري.. ابنة “الدار الكبيرة” التي صعدت إلى رأس الهرم السياسي
